ابن قتيبة الدينوري
53
الإمامة والسياسة ( بيروت )
فكتب عثمان إلى علي إذ اشتد الطعن عليه [ ( 1 ) ] . أما بعد فقد بلغ السيل الزبى ! وجاوز الحزام الطبيين . وارتفع أمر الناس في شأني فوق قدره ! وزعموا أنهم لا يرضون دون دمي . 57 وطمع في من لا يدفع عن نفسه . وإنك لم يفخر عليك كفاخر * ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب [ ( 2 ) ] وقد كان يقال : أكل السبع خير من افتراس الثعلب فأقبل عليّ أولى . فإن كنت مأكولا فكن خير آكل * وإلا فأدركني ولما أمزّق [ ( 3 ) ] قال حويطب بن عبد العزى : أرسل إليّ عثمان حين اشتد حصاره ، فقال : قد بدا لي أن اتهم نفسي لهؤلاء ، فأت عليا وطلحة والزبير ، فقل لهم : هذا أمركم تولوه ، واصنعوا فيه ما شئتم فخرجت حتى جئت عليا ، فوجدت على بابه مثل الجبال من الناس ، والباب مغلق ، لا يدخل عليه أحد ، ثم انصرفت ، فأتيت الزبير ، فوجدته في منزله ليس ببابه أحد ، فأخبرته بما أرسلني به عثمان ، فقال : قد واللَّه قضى ما عليه أمير المؤمنين ، هل جئت عليا ؟ قلت : نعم ، فلم أخلص إليه ، فقمنا جميعا ، فآتينا طلحة بن عبيد اللَّه فوجدناه في داره وعنده ابنه محمد ، فقصصنا عليه ما قال عثمان ، فقال : قد واللَّه قضى ما عليه أمير المؤمنين ، هل جئتم عليا ؟ قلنا : نعم ، فلم نخلص إليه . فأرسل طلحة إلى الأشتر ، فأتاه فقال لي : أخبره ، فأخبرته بما قال عثمان ، فقال طلحة وقد دمعت عيناه : قد واللَّه قضى ما عليه أمير المؤمنين ، فقام الأشتر فقال : 58 تبعثون إلينا وجاءنا رسولكم بكتابكم ، وها هو ذا ، فأخرج كتابا فيه [ ( 4 ) ] : بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم ، من المهاجرين الأولين وبقية الشورى ، إلى من بمصر من الصحابة والتابعين ، أما بعد ، أن تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول اللَّه قبل أن يسلبها أهلها ، فإن كتاب
--> [ ( 1 ) ] قارن مع الكامل للمبرد 1 / 26 . وقد مر شرح المثل قريبا . [ ( 2 ) ] البيت لامرئ القيس من قصيدة مطلعها : خليلي مرا بي على أم جندب * لتقضى حاجات الفؤاد المغلب ( العقد الثمين ص 116 - 117 ) . [ ( 3 ) ] البيت للممزق العبديّ : الأصمعيات ص 166 والكامل للمبرد 1 / 26 . [ ( 4 ) ] هذه رواية الواقدي نقلها الطبري وابن الأثير أن الصحابة بعثوا الكتاب . قال ابن كثير في البداية 7 / 173 : تكاتب أهل مصر وأهل الكوفة وأهل البصرة ، وتراسلوا ، وزورت كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة وعلى لسان طلحة ( بعد ما بلغهم خبر مروان وغضب علي على عثمان بسببه ) وطلحة والزبير يدعون الناس إلى قتال عثمان ونصر الدين وأنه أكبر الجهاد اليوم .